• وهم التواصل

    “لكي يكون الشيء موجودا معناه أن يكون مرئيا” مقولة مالبرانش
     من خلال هذه المقولة الاستهلالية نفتح الباب عن واقع آخر، عالم آخر… يعيشه الشباب ذكورا وإناثا بل كذلك أطفالا وكهولا، عالم ربما وجودوا في ضالتهم وربما حققوا فيه مالم يقدروا تحقيقه على مستوى الواقع –الواقع العيني- بعدما غزت مواقع التواصل العالم وتطورت بوثيرة سريعة من الفيسبوك ،التويتر إلى الواتساب... من الهواتف الذكية إلى اللوحات اللاكترونية…هذه السرعة المدهشة طبعت التفاعلات والعلاقات الاجتماعية وأصبح لها معنى آخر.

    في هذا الصدد نطرح سؤالا ونستعين بما قاله مالبرانش، يتعلق الأمر بوجود الشيء أي هل يصح القول أنه لكي يكون التفاعل معناه: أن يكون هو الآخر مرئيا؟ هل التفاعل الواقعي يرهقنا ويجعلنا أكثر جمودا؟ بينما في العالم الأزرق نكون أكثر دينامية. لماذا يصعب علينا أن نتواصل ونتفاعل ونحن في الشارع في الإدارة في البيت في المدرسة…؟ بينما من السهل علينا ممارسة “الشات” لساعات طوال؟ هل هذا يعني أن المعنى لا يطفئ على أقوالنا إلا عندما نلبسها طابعا تقنيا؟ لماذا نتبادل أعذب وأبهى التحايا ونحن في العالم الأزرق بينما نحن الشارع الوجوه عبوسة؟؟ لماذا عندما يأتي لدينا ضيف أول ما نقوم به إستخدام التلفاز والانتقال من قناة إلى أخرى في انتظار مرور الوقت لنودعه؟ الكثير من الأسئلة وراء هذا اللغز تجعلنا أكثر حيرا عندما نسمع ونشاهد مشاهد العنف والاغتصاب والانتحار… ربما عندما يسود الصمت ينتعش العنف….
    عندما نبحث عن الشباب بل والأطفال أيضا ولا نجدهم …عندما يسود الصمت المكان ولم نعد نسمع ضجيج الأطفال…عندما نتسلل إلى جل بيوت المدينة بحثا عن حديث، بحثا عن شيء اسمه التواصل فلا نسمع حتى همسا، ونعود ونفتح النافدة- نافدة العالم الافتراضي- ونسمع ضجيجا وصراخا وقهقهات هنا وهناك ويتأكد لنا بالبرهان أن هناك زاوية يلتجأ إليها كل مهموم وكل من أتعبه الواقع (باحثا عن السعادة، باحثا عن العمل، باحثا عن إشباع كل حاجاته…) عالم كل شيء فيه موجود إلا الواقعي، عالم سحري في ثواني قليلة يصنع العجب، فيه يتم توزيع الهدايا والاحتفال بجميع الأعياد، فيه يلبي شاب من أقصى الجنوب رغباته مع شابة في أقصى الشمال، فيه تقام الأفراح والحداد…
     ربما لم تعد الحاجة إلى الواقع العيني ولربنا الواقع العيني نفسه لا يستمد واقعيته وحيويته إلا من الواقع الافتراضي كواقع من الدرجة الثانية بلغة محمد سبيلا. 
    قد لا يكون بإمكاننا أن نوقف جهاز التقنية كي تتصالح مع أنفسنا ومع الآخر…لكن من الممكن أن نضع التقنية في يد ونصافح بل ونعانق الآخر باليد الأخرى…

     

    بقلم: عمر بوسلات

     


    votre commentaire



    Suivre le flux RSS des articles
    Suivre le flux RSS des commentaires